فخر الدين الرازي

126

تفسير الرازي

الإيمان به ونصرته والثاني : أن أصل * ( لما ) * لمن ما فاستثقلوا اجتماع ثلاث ميمات ، وهي الميمان والنون المنقلبة ميماً بإدغامها في الميم فحذفوا إحداها فصارت * ( لما ) * ومعناه : لمن أجل ما آتيتكم لتؤمنن به ، وهذا قريب من قراءة حمزة في المعنى . المسألة الثانية : قرأ نافع * ( آتيناكم ) * بالنون على التفخيم ، والباقون بالتاء على التوحيد ، حجة نافع قوله * ( وآتينا داود زبورا ) * ( النساء : 163 ) * ( وآتيناه الحكم صبيا ) * ( مريم : 12 ) * ( وآتيناهما الكتاب المستبين ) * ( الصافات : 117 ) ولأن هذا أدل على العظمة فكان أكثر هيبة في قلب السامع ، وهذا الموضع يليق به هذا المعنى ، وحجة الجمهور قوله * ( هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ) * ( الحديد : 9 ) و * ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ) * ( الكهف : 1 ) وأيضاً هذه القراءة أشبه بما قبل هذه الآية وبما بعدها لأنه تعالى قال قبل هذه الآية * ( وإذ أخذ الله ) * وقال بعدها * ( إصري ) * وأجاب نافع عنه بأن أحد أبواب الفصاحة تغيير العبارة من الواحد إلى الجمع ومن الجمع إلى الواحد قال تعالى : * ( وجعلناه هدىً لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني ) * ( الإسراء : 2 ) ولم يقل من دوننا كما قال : * ( وجعلناه ) * والله أعلم . المسألة الثالثة : أنه تعالى ذكر النبيّين على سبيل المغايبة ثم قال : * ( آتيتكم ) * وهو مخاطبة إضمار والتقدير : وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين فقال مخاطباً لهم لما آتيتكم من كتاب وحكمة ، والإضمار باب واسع في القرآن ، ومن العلماء من التزم في هذه الآية إضماراً آخر وأراح نفسه عن تلك التكلفات التي حكيناها عن النحويين فقال تقدير الآية : وإذ أخذ الله ميثاق النبيّين لتبلغن الناس ما آتيتكم من كتاب وحكمة ، قال إلا أنه حذف لتبلغن لدلالة الكلام عليه لأن لام القسم إنما يقع على الفعل فلما دلت هذه اللام على هذا الفعل لا جرم حذفه اختصاراً ثم قال تعالى بعده * ( ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم ) * وهو محمد صلى الله عليه وسلم * ( لتؤمنن به ولتنصرنه ) * وعلى هذا التقدير يستقيم النظم ولا يحتاج إلى تكليف تلك التعسفات ، وإذا كان لا بد من التزام الإضمار فهذا الإضمار الذي به ينتظم الكلام نظماً بيناً جلياً أولى من تلك التكلفات . المسألة الرابعة : في قوله * ( لما آتيتكم من كتاب ) * إشكال ، وهو أن هذا الخطاب إما أن يكون مع الأنبياء أو مع الأمم ، فإن كان مع الأنبياء فجميع الأنبياء ما أوتوا الكتاب ، وإنما أوتي بعضهم وإن كان مع الأمم ، فالإشكال أظهر ، والجواب عنه من وجهين الأول : أن جميع الأنبياء عليهم السلام أوتوا الكتاب ، بمعنى كونه مهتدياً به داعياً إلى العمل به ، وإن لم ينزل عليه والثاني : أن أشرف الأنبياء عليهم السلام هم الذين أوتوا الكتاب ، فوصف الكل بوصف أشرف الأنواع . المسألة الخامسة : الكتاب هو المنزل المقروء والحكمة هي الوحي الوارد بالتكاليف المفصلة